محمد بن محمد ابو شهبة

75

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وحده ، حتى إذا ما آمنوا باللّه دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر ، ثم بالإيمان بالرسل ، والملائكة ، حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبّه ، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر والتشريعات التفصيلية ، والأحكام العملية والفضائل والآداب العالية ، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف ، ثم أمروا بالزكاة ، ثم بالصوم ثم بالحج ، وبيّنت لهم أحكام النكاح والطلاق والرجعة والمعاملات ، من بيع وشراء ، وتجارة وزراعة ، ودين ورهن . . إلى غير ذلك من المعاملات الصحيحة منها وغير الصحيحة . ولذلك كان مدار الآيات في القسم المكي على إثبات العقائد والفضائل التي لا تختلف باختلاف الشرائع . بخلاف القسم المدني ، فكان مدار التشريعات فيه على الأحكام العملية والتشريعات التفصيلية التي تتعلق بصيانة الدماء ، والأعراض ، والأموال ، وصيانة العقول ، والمحافظة على الأنساب سواء منها ما يتعلق بالمجتمع الصغير وهي الأسرة ، أو ما يتعلق بالمجتمع الكبير وهي الأمة ، وذلك كأحكام النكاح والطلاق والرجعة والعدة ، والحضانة والنفقة ، وكالحدود ، والعقود ، والمعاهدات والسياسات ونحوها . وتفصيل ما أجمل قبل ذلك من الآداب والفضائل . وقد أشارت السيدة العاقلة العالمة ، التي تربت في منزل الوحي « عائشة » - رضي اللّه عنها - إلى هذه الحكمة ، فقالت - كما ورد في صحيح البخاري - : « إنما نزل من القرآن أول ما نزل منه « سورة » « 1 » من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا : لا ندع الزنا أبدا » « 2 » . ولا شك أن من طبيعة التدرج نزول آيات القرآن ، وسوره بعضها في أثر

--> ( 1 ) لعل مرادها : سورة « المدثر » فإنها أول ما نزلت بعد فترة الوحي ففيها الأمر بتوحيد اللّه ، وذكر الجنة والنار ، أو أن مرادها بالسورة الجنس أي سور من المفصل ، وسور المفصل تدور حول تثبيت العقائد والفضائل ، وذكر الجنة والنار . ( 2 ) صحيح البخاري - كتاب فضائل القرآن - باب تأليف القرآن .